لقد رُويت أحاديث
متعددة في فضيلة ليلة النصف من شعبان ، وأحاديث في فضل تخصيصها
بصلاة أو عبادة معينة .
أما الثاني : ( وهو
ما ورد في تخصيصها بصلاة أو عبادة ) فلم يصحّ فيها شيء ، بل كلها
أحاديث موضوعة وباطلة ، وحَكَمَ ببطلانها جمعٌ من أهل العلم
، منهم ابن الجوزي في
كتابه الموضوعات ( 2/440 – 440-445 رقم 1010-1014) ، والبيهقي في
الشعب ( رقم 3841) ، وأبو الخطاب ابن دحية في أداء ما وجب ( 79-80)
، وابن قيم الجوزية في المنار المنيف ( رقم 174-177) وأبو شامة
الشافعي في الباعث على إنكار البدع والحوادث ( 124-137) والعراقي
في تخريج إحياء علوم الدين ( رقم 582) ، حتى نقل شيخُ الإسلام
الاتفاق على بطلانها في اقتضاء الصراط المستقيم
(28/138)
.

وهذا أمرٌ لا يخفى
على أحدٍ من أهل العلم : أن تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة لم
يرد فيه حديثٌ صحيح ولا حسنٌ ولا ضعيف خفيفُ الضعف ، بل ما ورد فيه
كله
موضوع مكذوب
على نبينا - صلى الله
عليه وسلم - .
أمّا ما ورد في فضلها
مطلقاً ، فقد ورد فيه أحاديث اختلف فيها أهلُ العلم قديماً وحديثاً
،
وجَمَع كثيرٌ من
الحفاظ طُرُقها ، وخصها بعضهم بالتصنيف كأبي عبد الله ابن
الدُّبَيْثي ( ت637هـ) .
فقد ورد فيها الحديث
من حديث معاذ بن جبل ، وعائشة ، وأبي ثعلبة الخشني وعثمان بن أبي
العاص ، وأبي موسى الأشعري ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عمر
، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عَمرو ، وعوف بن مالك ، وأُبيّ بن كعب
، وأبيّ أمامة ، وأبي بكر الصديق – رضي الله عنهم أجمعين - ،
ومراسيل لغيرهم ..
واستيعاب الكلام عن
طرقها وعللها لا يُناسبُ هذا المقام ، وتَرْكُ ذلك بالكلية لا
يُوضَّح الحق ولا يُقربُ إلى الصواب ، لذلك رأيت أن أكتفي بالكلام
عن أشهر طرقها باختصار ، ثم يُقاسُ عليها ما هو أشد ضعفاً منها .
أولاً : حديث معاذ بن
جبل – رضي الله عنه -، عن النبي – صلى الله عليه وسلم - ،قال: "
يطّلعُ اللهُ ليلة النصف من شعبان إلى خلقه ، فيغفر لجميع خلقه ،
إلا لمشرك أو مشاحن " . أخرجه ابببن حبان في صحيحه ( رقم 5665) ،
وغيره فانظر تخريجه في حاشية تحقيقه ، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة
( رقم 1144) .
لكن الحديث وقع فيه
اضطراب كثير في إسناده ، جعله من حديث أبي ثعلبة الخشني مَرّة
(وانظر السلسة الصحيحة ) ، ومن حديث أبي إدريس الخولاني مرسلاً ،
وعن كثير بن مُرّة مرسلاً ، وعن مكحول مرسلاً .
وكلها مرجعها إلى
إسناد واحد اضطُرب فيه هذا الاضطراب .
بيَّن ذلك ووضّحه
غاية الوضوح الدارقطني في العلل ( 6/50-51 رقم 970)، وقال أثناء
ذلك عن روايتيه من حديث معاذ بن جبل : " وكلاهما غير محفوظ " .
وقال عن الحديث بعد
إيراده لطرقه السابقة :" والحديث غير ثابت " .
وخصَّ الدارقطني في
موطن آخر من علله ( 6/323-324 رقم 1169) حديث أبي ثعلبة بالذكر ،
ثم قال بعد عرْضِ طُرُقه : " والحديث مضطرب غير ثابت " .
بل لقد قال أبو حاتم
الرازي - وحسبك به- عن حديث معاذ بن جبل : " هذا حديث منكر بهذا
الإسناد " العلل لابن أبي حاتم ( رقم 2012).
وبذلك ظهر أن حديث
معاذ وأبي ثعلبة حديثان شديدا الضعف
، لا ينفعان في باب
الاعتبار ، أي لا يرتقيان بالمتابعات والشواهد .
ثانياً : حديث عائشة
– رضي الله عنها – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال لها
حين افتقدته فوجدته في البقيع – في حديث - : " إن الله – عز وجل –
ينـزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا ، فيغفر لأكثر من عدد
شَعْرِ غنم كَلْب " .
أخرجه الإمام أحمـد
(6/238) ، والترمذي ( رقم 739) ، وابن ماجة ( رقم 1389) من طريق
الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير ، عن عروة ، عن عائشة ..به
ثم قال الترمذي عقبه
: " حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج وسمعتُ
محمداً ( يعني : البخاري ) يُضعّفُ هذا الحديث ،
وقال : يحيى بن أبي
كثير لم يسمع من عروة ، والحجاج لم يسمع من يحيى " فهو إسنادٌ
ضعيفٌ ، بل ظاهر كلام البخاري أنه يُضعّف الحديث من كل وجوهه ؛
لأنه ضعّف الحديث لا الإسناد وحده .
ولمّا عَرَضَ
الدارقطني لعلل حديث عائشة هذا في العلل – المخطوط – ( 5/51/أ-ب) ،
وبيّن الاضطراب فيه ، وأنه رُوي من وجه آخر عن حجاج بن أرطاة عن
كثير بن مُرّة الحضرمي مرسلاً ، ثم قال : " وإسناد الحديث مضطرب
غير ثابت " .
لذلك فقد صرح أبو عبد
الله الحاكم النيسابوري بالصواب في هذا الحديث بقوله : " إنما
المحفوظ هذا الحديث من حديث الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير
مرسلاً " شعب الإيمان للبيهقي ( رقم 3824،3825 ، 3830،3831)
وللحديث عللٌ أخرى أبانها عَمرو عبد المنعم سليم في تحقيقه لكتاب
ابن الدُّبَيْثي ( 54-66) .
بل لقد أشار
الدارقطني إلى أن مرجع حديث عائشة إلى حديث مكحول الشامي السابق
ذكره في حديث معاذ ، وهذا ما مال إليه البيهقي في الشعب (
3/382،383 رقم 3383 ، 3835) وقد نقل ابن الجوزي في العلل المتناهية
( 2/561 رقم 921) عن الدارقطني أنه قال: " وقد رُوي من حديث معاذ
ومن حديث عائشة ، وقيل إنه من قول مكحول ، والحديث غير ثابت " .
فعادت أحاديث معاذ
وأبي ثعلبة وعائشة إلى أنها حديث واحد ، مآله إلى أنه كلام لمكحول
الشامي !!! . وبذلك تعرفُ الخطأ الجسيم لمن اعتبر هذه الروايات
روايات متعددة يَتَقَّوى بها الحديث. ثالثاً : حديث عبد الله بن
عمرو ، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم-قال : " يطّلع الله عز
وجل إلى خَلْقه ليلة النصف من شعبان ، فيغفر لعباده إلا لاثنين :
مشاحنٍ وقاتل نفس " أخرجه الإمام أحمد ( رقم 6642) ، قال : " حدثنا
حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا حُيَي بن عبد الله ، عن أبي عبد
الرحمن الحُبُلِيّ ، عن عبد الله بن عَمرو .. به .
ذكر هذا الإسناد
الألباني – رحمه الله – في السلسة الصحيحة ( 3/136) ، وقال : " هذا
إسنادٌ لا بأس به في المتابعات والشواهد " .
ولعل هذا من الألباني
– رحمه الله – لاعتماده على أن الحافظ بن حجر قال عن حُيَيّ بن عبد
الله : " صدوق ..... "
ومع أن حُييّ هذا ممن
اختُلف فيه ، كما تجده في التهذيب ( 3/72) ، فالأهم من ذلك أن
أحاديث ابن لهيعة عنه بالإسناد المذكور آنفاً مناكير ، كما بيّن
ذلك ابنُ عدي في ترجمة حيي بن عبد الله في الكامل (2/450) ، حيث
ذكر بضعة أحاديث لابن لهيعة عن حُيَيّ عن أبي عبد الرحمن عن عبد
الله بن عَمرو ، ثم قال : " وبهذا الإسناد حدثناه الحسن عن يحيى عن
ابن لهيعة بضعة عشر حديثاً عامتها مناكير " .
وابن عدي يُعلّق
نكارة هذه الأحاديث بابن لهيعة ، لإحسانه الظن بحُيي بن عبد الله .
وقد ذكر الألباني لابن لهيعة متابعاً ، هو رشدين بن سعد ، فلو سلم
الإسناد إليه ، فهو ضعيف ، ولا يحتمل ضَعْفُهُ مثل هذا الحديث ؛
هذا إن لم تكن نكارةُ الحديث من قِبَلِ شيخهما حُيي بن عبدالله !
ثم إن ابن لهيعة قد اضطرب في هذا الحديث ، فمرةً يرويه كما سبق ،
ومَرّةً يرويه من حديث أبي موسى الأشعري ( سنن ابن ماجه رقم 1390 ،
1391) ومرّة يرويه عن عوف بن مالك ( مسند البزار 7/186 رقم 2754)
وقد ذكر الألباني – رحمه الله – اضطراب ابن لهيعة هذا ، في السلسة
الصحيحة ( رقم 1563) والغريب أن حديث ابن لهيعة المشار إليه أخيراً
مرويٌّ من طريق كثير بن مُرّة الحضرمي ، وقد سبق بيانُ أنّ أحدَ
طرق حديث مكحول ترجع إلى أنه من حديثه عن كثير بن مُرّة فهل نعود
إلى أن حديث ابن لهيعة يعود إلى حديث مكحول أيضاً ؟! ( وانظر
السلسلة الصحيحة 3/137-138) هذا مع ما في حديث أبي موسى وعوف بن
مالك من العلـل الأخرى الإسنادية سوى اضطرابه المشار إليه .
وبهذا كله يتضح أنّ
هذه الطرق شديدة الضعف غير صالحةٍ للتقوَّي .
رابعاً : حديث أبي
بكر الصديق – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه
قال : " ينـزل الله – عز وجل – ليلة النصف من شعبان إلى سماء
الدنيا فيغفر لكل شيء إلا الإنسان في قلبه شحناء ، أو مشرك بالله "
أخرجه البزار (
1/157-158 ، 206-207 ورقم 80)، وابن خزيمة في التوحيد ( 1/325-327
رقم 200) ، من طريق ضعّفها جمعٌ من أهل العلم ، منهم البخاري ،
وأبو حاتم الرازي ، والعقيلي ، وابن عدي ، والبزار ، وغيرهم – انظر
التاريخ الكبير للبخاري ( 5/424-425) والجرح والتعديل لابن أبي
حاتم (8/306-307) والضعفاء للعقيلي ( 3/788-789) ، والكامل لابن
عدي ( 5/309).
ولا يظنّنّ أحدٌ أن
ابن خزيمة قد صححه بإخراجه في ( التوحيد ) الذي اشترط فيه الصحة ،
فإن ابن خزيمة قد أشار إلى ضعفه بتعليقه الإسناد أوّلاً ثم بتأخير
ذكر إسناده عقب إيراده للمتن ، وهذا اصطلاحٌ له في كتابه الصحيح
والتوحيد ذكره هو عن نفسه في التوحيد ( 2/637 ) ، ونص عليه الحافظ
ابن حجر في مواضع من إتحاف المهرة (2/365 رقم 1905) ومن بين أحكام
العلماء على هذا الإسناد حُكْمُ ابن عدي عليه بأنه منكر ، والمنكر
من أقسام الحديث الشديد الضعف الذي لا يصلح للتَّقوَّي .
هذه أشهر أسانيد
أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان الواردة في مشاهير كتب السنّة،
ويبقى سواها أحاديث أخرى سبقت الإشارة إليها مقدمة هذا الجواب ،
وبالإطلاع عليها لم أجد فيها ما ينفع للتقوَّي فضْلاً عن أن يوجد
إسناد مقبول أو خفيف الضعف ، فهي بين إسناد منكر تفرد به ضعيف ،
وإسناد شديد الضعف فيه متهم ، وحديث موضوع مختلق، لذلك فالراجح
عندي أنه لم يصح في فضل ليلة النصف من شعبان حديث ، ولم يُصب –
عندي – من صحّحه بمجموع الطرق ، فإن شرط التقوية ألا تكون الطرق
أوهاماً أو مناكير أو بواطيل .
أما أحكام العلماء
على أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان ،فقد سبق ذكر أحكامهم على
أفرادِها ؛ ولكن سأذكر هنا مَنْ قَوَّى الحديث ومن ضعّفه على وجه
العموم .
فممن قَوَّى الحديث :
ابن حبان ، والمنذري في الترغيب والترهيب ، وللبيهقي كلامٌ ليس
صريحاً في التصحيح ، ذكره أبو شامة في الباعث ( 132)، ولشيخ
الإسلام ابن تيمية كلامٌ يدل على تصحيح أو قبول ماورد في فضائلها ،
وذكر أنه نصُّ الإمام أحمد وأكثر الحنابلة ( اقتضاء الصراط
المستقيم 2/136-137 ، واختيارات البعلي 65) ولشيخ الإسلام كلامٌ
آخر يدل على توقفه عن تصحيح حديثها ( مجموع الفتاوى 3/388).
وصحح الحديث أخيراً :
العلامة الألباني – رحمه الله – كما سبق . أمّا الذين ضعفوا الحديث
من جميع وجوهه ، فسبق منهم الدارقطني والعقيلي في الضعفاء ( ترجمة
: عبدالملك بن عبدالملك 3/789) ، وابن الجوزي كما في العلل
المتناهية ( رقم 915-924) ، وأبو الخطاب ابن دحية ( أداء ما وجب
80) ، وأبو بكر ابن العربي ( أحكام القرآن 4/1690) وأقره القرطبي
في الجامع لأحكام القرآن ( 16/128) . بل قال أبو الخطاب ابن دحية :
"
قال أهل التعديل
والتجريح : ليس في حديث النصف من شعبان حديث يصح " .
( الباعث لأبي شامة :
127) .
وقال ابن رجب : " وفي
فضل ليلة نصف شعبان أحاديث متعددة ، وقد اختُلف فيها ، فضعّفها
الأكثرون ، وصحّح ابن حبان بعضها " . ( لطائف المعارف : 261) بل
صحّ عن جمع من السلف إنكار فضلها . قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
( وهو من أتباع التابعين من أهل المدينة ) : "
لم أدرك أحداً من
مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان
، ولم ندرك
أحداً منهم يذكر حديث مكحول ولا يرى لها فضلاً على سواها من
الليالي "
، أخرجه ابن وضاح
بإسناد صحيح في ما جاء في البدع ( رقم 119) ، وقال ابن أبي مُليكة
( وهو من جِلّة التابعين وفقهائهم بالمدينة ) ، وقيل له : إن
زياداً النميري يقول : إن ليلة النصف من شعبان أجْرُها كأجر ليلة
القدر ، فقال : لو سمعته يقول ذلك وفي يدي عصاً لضربته بها " أخرجه
عبد الرزاق في المصنف ( رقم 7928) ، وابن وضاح في ما جاء في البدع
( رقم 120) بإسناد صحيح .
ولما سئل عبد الله بن
المبارك عن النـزول الإلهي ليلة النصف من شعبان قال للسائل : " يا
ضعيف ! ليلة النصف ؟!
ينـزل في كل ليلة
"
أخرجه أبو عثمان
الصابوني في اعتقاد أهل السنة ( رقم 92) . وقال ابن رجب في لطائف
المعارف ( 263) : "
وليلةُ النصف من
شعبان كان التابعون من أهل الشام
، كخالد بن معدان ،
ومكحول ، ولقمان بن عامر وغيرهم
يُعظّمونها ويجتهدون
فيها في العبادة ، وعنهم يأخذ الناس فضلها وتعظيمها ، وقد قيل :
إنه بلغهم في ذلك
آثار إسرائيلية
، فلما اشتهر ذلك
عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك ، فمنهم من قبله منهم ووافقهم
على تعظيمها منهم طائفة من عُبّاد أهل البصرة وغيرهم ، وأنكر ذلك
أكثر العلماء من أهل الحجاز
منهم عطاء وابن أبي
مُليكة ، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة ،
وهو قول مالك وغيرهم ،
وقالوا : ذلك كلّه
بدعة " .
وأما قول ابن رجب من
أن مرجع تعظيم هذه
الليلة إلى الإسرائليات
فقد وجدُت ما يشهد له
، من أن مكحولاً الشامي ( وهو مرجع أكثر طرق الحديث كما سبق ) قد
رُوي هذا الحديث عنه في بعض الوجوه عن كعب الأحبار !! كما تراه في
كتاب النـزول للدارقطني ( 162-164 ، 168 رقم 88) ، وانظر لطائف
المعارف أيضاً ( 264) .
ومما نقله ابن رجب في
لطائف المعارف (264) ويخالف ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول
ابن رجب
:" ولا يُعرف للإمام
أحمد كلام في ليلة النصف من شعبان ". وأما تعظيم أهل الشام لهذه
الليلة ، فقد خالفهم في ذلك فقيه الشام الإمام الأوزاعي
، فيما ذكره السبكي ،
ونقله عنه الزبيدي في تخريج إحياء علوم الدين ( 1/521) ، وفيما
ذكره ابن رجب أيضاً في لطائف المعارف ( 263) .
وأخيراً ، فعلى فرَض
صحة حديث فضل ليلة النصف من شعبان ، فإن الذي أخبرنا بفضلها وهو
النبي – صلى الله عليه وسلم -لم يخصها بعبادة معينة ، فلو كان ذلك
مشروعاً لكان هو - صلى الله عليه وسلم - أحرص على فعله وبيانه
للناس ، بل لو قيل : إن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد شرع ما
يتقرب به تلك الليلة ( على فرض الصحة ) لكان هذا وجيهاً ، وهو أن
تنام تلك الليلة خالصاً قلبك من الشرك والشحناء على المسلمين !! .
وفي كتاب الورع
للمَرُّوذي ( رقم 545) : " قلت لأبي عبد الله [ يعني الإمام أحمد
بن حنبل]: إن رجلاً من أهل الخير قد تركتُ كلامه ، لأنه قذف رجلاً
بما ليس فيه ، ولي قرابة يشربون المسكر ويسكرون ؟ وكان هذا قبل
ليلة النصف من شعبان فقال : اذهب إلى ذلك الرجل حتى تكلمه ، فتخوّف
عليَّ من أمر قرابتي أن آثم ، وإنما تركت كلامهم أني غضبت لنفسي،
قال: اذهب كلَّم ذلك الرجل ، ودع هؤلاء ، ثم قال : أليس يسكرون ؟
وكان الرجل قد ندم ؟ " وتنبه أن الإمام أحمد لم يكن هو الذي ذكر
ليلة النصف من شعبان ، ولا ذكر المروذي أنه ذكرها له أيضاً ، وإنما
هو خبر ذكره المروذي ، ومراعاة ذلك ( ولو لم يصح فيه شيء ) مما لا
يرى فيه بعض العلماء بأساً فهو عمل مشروع في كل ليلة ، ولم يخصه
المروذي بليلة النصف .
أما ما يفعله كثير من
الناس من الاجتماع ليلة النصف من شعبان على صلوات معينة وعبادات
خاصة في كل عام فهذا من البدع التي اتفق على إنكارها من عامة
العلماء ، وذكر ذلك جماعة من أهل العلم . فانظر الحوادث والبدع
لأبي بكر الطرطوشي ( 266-267) ، والباعث على إنكار البدع والحوادث
لأبي شامة (142) ، واقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ( 2/138،
256-257) ، ولطائف المعارف لابن رجب (263) ولم يخالف في تبديع هذا
الفعل إلا قلة من أهل العلم ، منهم من ذكرهم ابن رجب من أهل الشام
، وإسحاق بن راهويه . أما الشافعي فاستحب إحياءَها ، كما في الأم
(1/231) ، لكن لم يذكر أن ذلك يكون بالاجتماع لها ، ولم يذكر
الشافعي دليل ذلك الاستحباب . وما دامت المسألة متنازعاً فيها
فالمرجع فيها إلى الكتاب والسنة ، كما قال –تعالى- : "فإن تنازعتم
في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر
ذلك خير وأحسن تأويلا"[ النساء : 59] ..
وقد صح عن النبي –
صلى الله عليه وسلم – أنه قال : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو
ردّ " أخرجه مسلم (1718) وليلة النصف من شعبان لم يثبت في فضلها
حديث ، وكل ما ورد في فضل تخصيصها بعبادة باطلٌ موضوعٌ ، فليس في
تعمُّد القيام فيها بعبادة ما ، على وجـه التعيين لها وتخصيصها
بتلك العبادة إلا ابتداعاً في الدين ، وقد قال - صلى الله عليه
وسلم -:" كل بدعة ضلالة " أخرجه مسلم ( 867) .
فنسأل الله تعالى
السلامة من كل بدعة ، وأن يُنْعِشَ قلوب العباد بسنة النبي – صلى
الله عليه وسلم - .
والله أعلم .
والحمد لله والصلاة
والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .